عبد الملك الجويني
371
نهاية المطلب في دراية المذهب
3292 - فنقول : إذا سلّم البائعُ المبيعَ أولاً ، قلنا للمشتري : عجّل الثمنَ ، فإن كان حاضراً أدّاه . ولو قال المشتري مالي غائب ، وسأحضره عما قريب ، قال الشافعي وقفتُ ماله ، كما مضى . ثم ذكر العراقيون طريقةً نحن نطردُها ، فقالوا : إن كان مال المشتري على مسافة القصر ، وقد وقفنا ماله ، فللبائع فسخُ العقد ، والرجُوعُ إلى عين المبيع . وإن كان دون مسافة القصر ولكن كان غائباً عن البلد ، فهل يثبت حق الفسخ ؟ فعلى وجهين . وإن كان المال في البلدِ ، ولكن كان غائباً عن المجلس ، فلا يثبتُ حقُّ الفسخِ في هذه الصورة . هذا كلامهم . وقال ابن سُرَيج : إن كان مالُه في البلد ، ولكن كان غائباً عن مجلس التسليم ، فيمهل المشتري إلى تحصيل الثمن ، ويُحجر عليه ، ولا يردّ المبيع إلى البائع ، فأما إذا كان ماله غائباً عن البلدِ ، فليرد المبيعَ إلى البائع إلى أن يتوفَّر عليه الثمن . ولا يثبت حقُّ فسخِ البيع عند ابن سريج أصلاً ، بهذا الوقف الذي نص عليه الشافعي ، وإنما يثبت الفسخُ إذا انتهى الأمرُ إلى الإعسار ، أو إلى امتناع الوصول إلى الثمن بغيبةٍ شاسعة يُعَدّ مثلها امتناعاً . وبين طريق ابن سُريج والعراقيين بَونٌ بينٌ . وحاصل كلام ابن سريج يؤول إلى أنا إذا عرفنا غيبة المالِ ، لم نوجب على البائع البدايةَ بالتسليم ؛ إذ لا فائدة في التسليم والاسترداد . ومن ربط من أصحابنا هذا الحجرَ بحد الفَلَس ، أثبت للبائع الفسخَ . فهذا بيان الطرق . ثم الذين راعَوْا حدَّ الفَلَس ، قالوا : إن كان يتأَتَّى تأديةُ الثمنِ من غير بيع المبيع ، فَلا حجر ، ولا وَقف . وإن كان يتأتى تأدية الثمن ببيع المبيع ، أو بِبَيع بعضه ضماً إلى سائر مال المشتري ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أنه لا يحجر عليه ؛ إذْ أداء الثمن ممكن . والثاني - يُحجر عليهِ ؛ فإن بيعَ المبيع تفويتُ حق الحبس على البائع . وهذا خبط ؛ فإنه بناءٌ على حمل الوقف على حد الفَلَسِ ، وليس الأمر كذلك .